شموع لاتعرف الخوف

شموع لاتعرف الخوف
فرحة النجاح اعقبت زيارة ساعي الكلية، الذي حضر خصيصا ليهنيء بعض الطلبة. الفرحة هذه المرة كبيرة لانها فرحة التخرج .... طبيبة؟!.
مبروك يادكتورة . انتهت المتاعب . وداعا للسهر والقلق وركوب الصعب. استنشقي هواء الحرية . في انتظار التعبين ، نامي ملء جفنيك.
".. ان اجمل ايام العمر هي ايام الدراسة.."!.
عبارة كثيرا ماسمعتها ، ولكن لم تفهم لها معني .. او لاتود ان تفهم لها معني. الأيام المقبلة هي الأحلي.. في نظرتها المستقبلية الحالمة ، والتي تحلق بأجنحة الأمنيات السعيدة . الخيال يسبح في آفاق رحبة، تتمني ان يحقق الزمن احلامها . آه لو حملتها نسائم الشوق الي مكان عملها الجديد . مثالية المشاعر والنية الحسنة.
قرية" الشويكات الغربية" ؟!- لابأس -توزيع عشوائي . رقعة شطرنج معدة بغير عناية ، وليسقط عليها من يشاء .. في الوقت الذي لايريد !.
عاشت الساعات والدقائق ترسم صورة مشرقة للمكان الذي سوف تذهب اليه . تعانقه بخيالها . ترسل له قبلات في الهواء . مهما كان موحشا فسوف يصبح -بالإصرار والحب -جنة.
رسمت له صورة باهرة ملونة بالزهور والورود ، يعطرها شذي الياسمين . تمرح بها فراشات الحقل . نباتات متسلقة تعلو وتعلو ، حتي تعانق النجوم . كل ما يبدعه الخيال وتهفو إليه النفس، سوف تجده هناك. اهم من هذا كله .. سوف تكون ملاك رحمة . ينبوع حنان . هذه هي رسالتها اولا واخيرا .
وعلي غير توقع .. جاء من يحكي القصص -جهنمية المحتوي -عن هذه القرية النائية ، الواقعة اسفل الجبل .
بعد مسيرة يوم ونصف اليوم .. وجدت نفسها في بقعة منعزلة . وحدة صحية اشبه بمركب صيد متهالكة في جزيرة صفراء . هي لون الرمال ، او لون العقارب ، لافرق . الماء له طعم وله رائحة . النسيم محمل برائحة الاشجار الشوكية، ورائحة صغار الثعابين التي وطأتها الأقدام . قسوة الهجير نهارا .. وصقيع بلامبرر ليلا .. ولاوسط .
الخفير طويل . عريض المنكبين والوجه ، خشبي العضلات . جذع شجرة لم يشذب بعد. سمعه ثقيل ولسانه ايضا . يستعين بكلب ضخم يلازمه ليل نهار . الكلب يتثاءب في كسل.
جلست " التمورجية" العجوز تحت قدمي الطبيبة الشابة . وفي عينيها الغائرتين ظهرت علامات شفقة . تنهدت بعمق . اغرورقت عيناها بالدموع . لم تتمالك مشاعرها . انتفض جسدها كله. نشيج متقطع. عويل مسموع . بركان يتفحر داخلها . الطبيبة تحنو عليها . تهديء من روعها . لم كل هذا الألم ؟. لم كل هذا الإنفعال؟. مايحدث امامها لايتحمله القلب الرهيف . ماذا بك ايتها المسكينة؟ . مالت عليها . ضمتها في حنان . . عطف.. حب كبير وصدق.
همست : انت مثل أمي ، وانا ابنتك . هل من مساعدة ؟!.
اتي الرد وكأنه من اغوار سحيقة:
 ⁃ .. لماذا جئت ايتها الشابة؟!.. اليس لك أهل؟!
 ⁃ اخذت العجوز تحكي -من خلال دموعها -قصة الطبيبة ، ملائكية الوجه ، التي استشهدت في نفس المكان ، علي ايدي وحوش آدمية . لاداعي للتفاصيل . الجرائد نفسها لم تستطع ان تذكر الاهوال التي تعرضت لها . جريمة بشعة . مأساة عظيمة الهول !.
ظهر الفزع علي وجه الطبيبة الشابة. جالت بعينيها في المكان الاسود . لا بيوت مجاورة . بقعة منعزلة . هدوء قاتل يمزقه -بين الحين والحين -عواء ذئاب .. او نباح كلاب مجهدة . الابواب والنوافذ تهتز بشدة اذا تلامست مع صدي الصوت . كلب الخفير يتشوق الي قطعة هبز . حبذا لو كانت عظمة.
استمرت العجوز تحكي قصة الرعب . تصمت قليلا . تلتقط انفاسها . تعود لتحكي من جديد . الشابة تسمع . بل لعلها لم تكن تسمع . ربما كانت تصلي . تستنجد بأبيها الذي تركها صبية صغيرة .مع اخوة اصغر منها . كانت حاضرة بذهنها ، وغائبة في نفس الوقت.
التفتت العجوز مشفقة، متسائلة بينها وبين نفسها عما اذا كانت قد اخطأت بإظهار عواطفها علي هذا النحو .. ولدهشتها وجدت الطبيبة مكتئبة علي ظهر المقعد .. مستغرقة في نوم هاديء . ابتسامة مطمئنة فوق شفتيها . وجهها تكسوه مسحة من البراءة . كأنها طفلة تحتضن لعبتها وتحلم احلاما سعيدة.
وهي نائمة ، كانت تتدلي من رقبتها سلسلة ، مكتوب عليها بحروف ذهبية صغيرة:" ولاتدخلنا في تجربة".

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

انا بكره امى 1

جندى ارجنتينى

نبات الزوفا